الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

209

مناهل العرفان في علوم القرآن

الشبهة الثانية يقولون : إن قصر السور والآيات المكية مع طول السور والآيات المدنية ، يدلّ على انقطاع الصلة بين القسم المكي والقسم المدني ، ويدل على أن القسم المكي يمتاز بمميزات الأوساط المنحطة ، ويدلّ على أن القرآن في نمطه هذا نتيجة لتأثر محمد بالوسط والبيئة ، فلما كان في مكة أميّا بين الأميين جاءت سور المكي وآياته قصيرة ، ولما وجد في المدينة بين مثقفين مستنيرين ، جاءت سور المدني وآياته طويلة ، وغرضهم من إلقاء هذه الشبهة التشكيك في أن القرآن من عند اللّه « يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ ، وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ » وننقض شبهتهم هذه بما يأتي : أولا - أن في القسم المكي سورا طويلة مثل سورة الأنعام ، وفي القسم المدني سورا قصيرة مثل سورة « إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ » فكلامهم لا يسلم على عمومه . ثانيا - إذا أرادوا الكثرة الغالبة لا الكلية الشاملة فهذا نسلمه لهم ، بيد أنه لا يدل على ما افتروه ورتبوه عليه ، لأن قصر معظم السور المكية وآياتها ، وطول معظم السور المدنية وآياتها ، لا يقطع الصلة بين قسمي القرآن : مكية ومدنية ، ولا بين سور القرآن وآياته جميعا . بل الصلة كما يحسها كل صاحب ذوق في البلاغة ، محكمة وشائعة بين كافّة أجزاء التنزيل . وقد تفنن العلماء وأشبعوا الحديث عن هذه المناسبات في غضون تفسيرهم لكتاب اللّه . وتقدم تقرير هذا التناسب البارع في صفحة 73 على أنك تلاحظ آيات مكية منبثة بين آيات سور مدنية ، وتلاحظ آيات مدنية منبثة بين آيات سور مكية . وبرغم ذلك لا يكاد أحد يحسّ التفاوت أو التفكك